| 0 التعليقات ]


فن الاستمتاع.. كيف تكون سعيداً وناجحاً وقوياً؟
(قراءة ناقدة)
المؤلِّف: د.توفيق أحمد القصيِّر.
الناشر: وهج الحياة للنشر.
سنة النشر: 2009م، 1430هـ.

يتحدث الكتاب عن مثلث افتراضي للسعادة، أضلاعه الثلاثة: الجسد والعقل والروح، ويقصد بالجسد: الاحتياجات الفسيولوجية وما يتبعها من سلوكيات، ويقصد بالعقل: التفكير والتحليل والمنطق وما يتبعها من سلوكيات التعلم والتجديد، ويقصد بالروح: الإيمان والعواطف وما يتبعها من طاقة وروحانية وابتهاج.
ويفترِض لكل عنصر من العناصر المتحكمة في السعادة مجموعة من الدوافع والسلوكيات على النحو التالي:
الدوافع الجسدية: الغريزة، والتواضع، والطمأنينة، والإرادة، والإقدام، ويتولد عنها – على التوالي – سلوكيات: الاعتدال، والتواصل، والتوازن، والقيادة، والمخاطرة.
الدوافع العقلية: التفاؤل، والقناعة، والثقة، والتقدير، والابتكار، ويتولد عنها – على التوالي- سلوكيات: الانفتاح، والعطاء، والتعلم، والتذوق، والتجديد.
الدوافع الروحية: التأمل، والإيمان، والرحمة، والحب، والرضا، ويتولد عنها – على التوالي – سلوكيات: الطاقة، والروحانية، والعدل، والكرم، والابتهاج.
ثم يتطرق الكتاب للهالات التي تحيط بجسم الإنسان ومحورها العصب الشوكي في العمود الفقري، حيث يصدر عن مركز الطاقة في الجسم ثلاث هالات: هالة الجسم (سمكها من 5 إلى 10 سم) وهالة العقل (من 10 إلى 15سم) وهالة الروح (سمكها من 15 إلى 50 سم)، وهذه الهالات مرتبطة بالموجات الكهرومغناطيسية المتولدة من دوران اسطوانتي السلوك والدوافع الافتراضيتين!، وهذه الهالات يمكن أن يراها مَن يمتلك مهارة الاستبصار (العين الثالثة)، كما يمكن تصويرها بأجهزة متوافرة في الأسواق.
وقد استغرق المؤلِّف من عمره – كما يقول – ثمانية أعوام في البحث والتأمل ليخرج بهذه النظرية التي أسماها "نظرية السعادة".

ومع أن الكتاب احتوى على معلومات جديرة بالاهتمام إلا أنه لم يقدِّم أدلة علمية أو شرعية لإثبات ما افترضه المؤلف من افتراضات.

عناصر السعادة الثلاثة الجسد والعقل والروح:
لا إشكال عندي في تكوين الإنسان من روح وجسد وأن لكل من الروح والجسد متطلبات يتحدد على أساس إشباعها سلوكيات محددة، لكني لم أفهم كيف يكون التفكير والمنطق قوة دافعة أو سلوك مشاهد، فالتفكير ممارسة ذهنية لها دوافع تسببها، ونتيجتها أفكار لا يمكن وصفها بأنها سلوك مشاهد.

كما يلاحظ وجود خلط في منظومة الدوافع والسلوك التي وضعها المؤلف، من ذلك:
- الغريزة دافع من دوافع السلوك يقصد بها الحاجات الفسيولوجية ومطلوب إشباعها باعتدال لكن هذا لايعني أن السلوك الناتج عنها هو الاعتدال!.
- الإرادة دافع جسدي، والقيادة سلوك جسدي ليس بينهما تلازم، وربما كان السلوك الناتج عن الإرادة هو العمل والإنتاج.
- التواضع سلوك وليس دافع، والتواصل يمهِّد له التواضع ولكن ليس دافعاً له، إنما الذي يدفع للتواصل هو الحاجة إلى التكيف والقبول الاجتماعي.
- الإرادة والثقة، ما الذي يجعل الأول دافعاً جسدياً والآخر دافعاً عقلياً؟! ما الفرق بينهما، ونفس الأمر يمكن أن نقوله في التواضع والتقدير.
- التأمُّل ممارسة فكرية بينما يجعلها المؤلف دافعاً روحياً.
- الابتكار دافع عقلي يتولد عنه – حسب النظرية – سلوك التجديد، والسؤال: ما الفرق بين الابتكار والتجديد؟!.
- الثقة دافع عقلي يتولد عنها سلوك التعلم كما يقول المؤلف، والواقع أن الثقة يتولد عنها تحمل المسئولية، والتعلم سلوكٌ تفيدُ الثقة في تعزيزه لكنها ليست الدافع الوحيد له.
- التأمل كما يقول المؤلف يتولَّد عنه الطاقة!! لو قال المؤلِّف: إن التأمل يتولد عنه زيادة الإيمان لكان أقرب إلى منهج أهل السنة والجماعة، وقد أمرنا الله بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض لما له من أثر في قوة الإيمان ورسوخه ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) [آل عمران : 190 ، 191] فإذا أحس المرء بزيادة الإيمان شعر بلذته تخالط بدنه، فلعل هذا ما قصده المؤلف..

نظرية الكتاب والفلسفات الشرقية:
يعتقد المؤلف أن العمود الفقري يحتوي على المسار الأساسي للطاقة في جسم الإنسان، وهناك أطياف طاقية عبارة عن موجات كهرومغناطيسية تخرج من الجسم في منطقة في أعلى الرأس وتعود إليه في المنطقة الواقعة في أسفل العصب الشوكي في منطقة العجز من ظهر الإنسان [ص108] وهذه الأطياف فاعلة وحية من خلال منفذين يقع الأول في أعلى الإنسان "مركز الطاقة الرأسي" وهو متصل بالكون العلوي ويختص بالخالق والروح والدوافع والوالدين والأسرة و"الطاقة الكونية"! أما المنفذ الآخر (مركز الطاقة الأساسي) فيتصل بالطاقة الأرضية خاصة الغرائز وحب البقاء والسلوك والمادة و"الطاقة الأرضية"! وبهذا الارتباط العلوي والسفلي تسري في الإنسان طاقة عظيمة مصدرها الكون والكوكب الذي يعيش فيه [ص111].

والمشهور في «الممارسات الباطنية الشرقية التي تعتمد مبدأ الطاقة الخفية في "الأثير" أنَّ للإنسان المادي المحسوس "توأماً روحياً" في الفضاء؛ فمتى أمكن الوصول إلى ذلك التوأم الروحي عن طريق الطقوس الباطنية وبعض الطلاسم انعكس ذلك على طاقة الجسد المادي فشعر بالخِفَّة، وقد لقيت هذه الترهات رواجاً في الغرب.. وهناك ممارسة رائجة أخرى تُعرَف بـ"كُنداليني" وتقوم على مبدأ مماثل، هو أنَّ العمود الفقري للإنسان يحوي طاقة كامنة تمتد من عجب الذنب إلى أعلى الرقبة، فإذا تخلَّلت "البرانا" المنتشرة في الهواء العمودَ الفقري عن طريق بعض الممارسات الباطنية نهضت عند المرء "كنداليني" التي هي آلهة أفعى.. فيشعر المرء بنشوة أو استنارة» [مجلة البيان العدد269، سوار الوهن، فيصل الكاملي].

لم أعرف بالضبط المنهج العلمي الذي يسير عليه الكاتب، ففي حين يؤكد على أنه توصل إلى هذه النتائج بالدراسة العلمية – الفيزيائية تحديداً [ص110] بل يرى أن أي جهد لتفسير السلوك الإنساني والتأثير فيه يبقى محاولات عبثية غير خاضعة لنظام يمكن تفسيره، ما لم تُربَط بالعلوم الفيزيائية وما فيها من علاقات بين الحركة والطاقة الكهربائية والمغناطيسية [ص96] نجده بعدها بصفحات يعارض نفسه ويؤكد أن المعالجة بالطرق الروحية ومن خلال الطاقة أكثر تأثيراً وأسرع شفاءً وتعمُّقاً بالأسباب الحقيقية المؤثرة في صحة بدن وعقل وروح الإنسان [ص112] وفي الوقت الذي يؤكد فيه أن أسطوانتي الدوافع والسلوك افتراضيتان، وأن العلاقة بينهما افتراضية، إلا أنَّهما بقدرة قادر تنقلبان إلى اسطوانتين حقيقيتين تحيطان بالحبل الشوكي، وتنتجان مجالَ حركةٍ يقاس فيزيائياً، ويُشاهد من خلال الأجهزة![ص96، 108].

الروح.. بين الإسلام والشرق:
يرى الباحث أن العلماء المسلمين أحجموا عن دراسة الروح ولم يقدموا الكثير في هذا الموضوع بسبب تفسيرهم لقول الله تعالى ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)) [الإسراء : 85] إلا أنَّ علماء الصين والهند قد عملوا بعض "الدراسات" و"الأبحاث" منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة (أي قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم) واكتشفوا وسائل لتنشيط الروح والاستفادة من ذلك لتحقيق قدرات فائقة في إمكانات الإنسان وتفاعله مع البيئة المحيطة تعتمد هذه الممارسات بدرجة كبيرة على رياضة التأمل والتركيز والبعد عن الضوضاء..

بطبيعة الحال لم يُشِر المؤلف هنا إلى واحدة من هذه الدراسات، لكن ما ذكره المؤلف معروف في الثقافات الشرقية عموما من خلال أفلامهم الوثائقية أو حتى الدرامية!!..
وأنا على قناعة تامَّة أن تراثنا الإسلامي "السلفي" مليء بالبحوث النافعة التي أجابت عن كل الأسئلة المطروحة في زمانها، أما علماء التربية المسلمون في زماننا هذا فقد تأخروا وانصرفوا عن تراثهم الثري إلى أطروحات فيها الغث والسمين، واجترَّها كثيرٌ منهم دون نقد وتمحيص.

وفي ختام هذا الاستعراض أُراني أقف عاجزاً عن الاقتناع بالنتائج التي توصل إليها المؤلِّف والأسلوب العلمي الذي اتَّبَعه، وألْحَظ فيما كتبه تأثراً كبيراً بالثقافات الشرقية.

(وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب : 4].


=========
(*) نُشِر المقال في موقع (الإسلام اليوم) في 19/ 2/ 1431هـ
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



أمالي الزنيدي.. في الثقافة الإسلامية ((1))
*

تعريف الثقافة بوجه عام:
المعنى اللغوي:
الثقافة لفظة عربية ، يقول ابن فارس(معجم مقاييس اللغة) : التاء والقاف والفاء كلمة واحدة إليها ترجع الفروع ، وهو إقامة درء الشيء.. يقال ثقفت القناة إذا أقمت عوجها ، ورجل ثقف لقف و
ذلك أن يصيب علم ما يسمعه على استواء.أ.هـ
يقول ابن منظور (لسان العرب) : الثَّقِفُ والثقيف يطلق على الحاذق الفطن أ. هـ
نستطيع أن نلخص المعنى اللغوي للفظة بأنها تتركز على معنيين:
1) التفوق الفكري.
2) تقويم الأشياء لتستوي معتدلة. قالت عائشة عن أبيها رضي الله عنهما : ”وأقام أود المسلمين بثِقافه”.

وعلى عادة العرب في أنهم يتجاوزون في اللفظة إلى مقارنه أو إلى مجاوره .. فيُتجاوز بالمعنى ماتدل عليه من تفوق فكري إلى مابه يتحقق هذا التفوق .. وتسمى ثقافة، والمقصود تقويم الناس بالأشياء المعنوية.
فالثقافة تقوم على معنيين هما:
1) معنى ذاتي في الإنسان وهو التفوق الفكري.
2) أداء يمارسه المثقف في غيره ، وهو التقويم والتعديل.

مدلولها في الفكر المعاصر :

الثقافة في مضمونها الحديث وافدة ، فهي تعريب لكلمة caltuer (كالتشر) وتعني تلك الأشياء التي يغلب عليها أنها فكرية أو علمية والتي تعني الإنسان بما هو إنسان.. فالعقيدة والقانون على هذا من الثقافة لأنها تختص بتصرفات الإنسان بينما الطب لايدخل في مفهوم الثقافة لأنه يتعامل مع الإنسان من جانبه المادي وليس من حيث هو إنسان.

تعريف (تايلر) للثقافة:

(إنها ذلك الكل المركب الذي يشمل العقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع.)
وقد فرض هذا التعريف نفسه على الساحة الغربية والعالم العربي.

وأهم من هذا التعريف تعريف اليونسكو، وإن كان تعريف اليونسكو يكتسب أهميته من كونه عالميا صادرا من منظمة عالمية [اليونسكو] تعنى بالثقافة تواصلت مع مائات المعنيين بالثقافة، ثم عقدت مؤتمرًا في المكسيك في عام 1981 ثم خرجت بإعلان ..

(إعلان مكسيكو لل
ثقافة) يقول :
(الثقافة هي جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعًا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وتشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات).

والثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته، وهي التي تجعل منه كائنا يتميز بالإنسانية المتمثلة في العقلانية، والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي، فعن طريقها نهتدي إلى القيم ونمارسها .. وخلاصة التعريفين أن الثقافة تتمثل فيما يتعلق بالإنسان من حيث هو إنسان، فكل ما يتعلق بالإنسان من حيث إنسانيته فهو ثقافة، وكل ما يتعلق بالإنسان من حيث حيوانيته (مثل الطب والهندسة) فليس بثقافة.

عناصر الثقافة:

مادة الثقافة وموضوعها هي العناصر التي تحقق للإنسان تفوقه الفكري بصفته إنساناً ، وممارسته التقويمية للحياة الإنسانية ، وهي عناصر أي ثقافة، وليست خاصة بثقافة معينة :
الأول : تفسير الوجود
هي تلك الإجابة التي يشعر الإنسان – أي إنسان – أنها مطلب لديه.. وهي عموماً إجابات الأسئلة الوجودية من أنا؟ كيف جئت؟ ماهدف وجودي؟ ماهو مصيري؟ ماذا بعد الحياة؟ كيف جاء هذا الكون وما علاقتي به؟ .. إلخ ولايهدأ الإنسان ولا يقر له قرار حتى يجد إجابات بغض النظر عن صحتها، فإن كانت صحيحة هدأت نفسه واطمأنت وإلا فلا.
الثاني: القيم
هي تلك المثل التي تتميز بها الحياة الإنسانية عن الحياة الحيوانية.. أو هي القواعد التي يقيّم الناس عليها حياتهم ليرتفعوا بها عن الحياة الحيوانية .. وهي على أنواع:
1) قيم فكرية (قيم الحق) : معايير تحكم حركة الإنسان الفكرية.
2) قيم الخير: القيم الأخلاقية : الصدق الوفاء البر الحياء..
3) قيم الجمال: قيم الذوق ورؤية الجماليات.
الثالث: النظم التشريعية في جوانب الحياة
قوانين ، تعاليم أعراف وتقاليد .. سواء اللصيقة بالإنسان (العبادة، الأخلاق) أو ما دونها (النظم التعليمية، الإعلامية، الإدارية..) وتشمل كذلك التشريعات التاريخية التي توارثتها الأجيال وأصبحت قانوناً ملزماً .

من خلال هذه العناصر تتشكل شخصية الإنسان وتبنى ثقافته

=====
(*) هذه الصفحات تلخيصٌ مقارب لأمالي البرفسور الشيخ عبدالرحمن الزنيدي حفظه الله حول الثقافة: مفهومها، وأسسها، وواقعها بين المثقفين العصرانيين والإسلاميين. وقد ساهم معي في إخراج هذا العمل مجموعة من الزملاء وهم: عبدالرحمن آل خلف، ودعفس الدعفس، وإبراهيم الفوزان.. شكر الله لهم جهودهم وعطاءهم. أسأل الله تعالى أن ينفع الجميع بهذه الأمالي: ممليها ومن ساهم في جمعها وكاتبها وقارئها.
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



اقرأ..

في عصر “المعلومات”.. يومياً: تُخرِج المطابع آلاف الكتب، وتزودنا الشبكة العنكبوتية بآلاف المعلومات في الموضوع الواحد..

إن الطبيب الذي يكتفي بالمعلومات التي استفادها إبَّان دراسته الأكاديمية، ولايثري خبرته بالمعلومات المتجددة والاكتشافات الحديثة هو حتماً طبيب “جامد” محدود القدرات، وقل مثل ذلك في المهندس، والمعلم، والمربي..

إن المعلومة التي تقرؤها اليوم ستصبح قديمة بعد أيام!.. فإما أن تواصل القراءة، أو أن ترضى بالجمود!!.

تستطيع أن تميز بين القارئ “المثقف”، والجاهل “المتخلف” من أول لقاء معهما! ولاشك أنك ستُكبِرُ الأول وتنصت إليه، وتغفل عن الآخر وربما لن تلتفت إليه!.

إن القراءة تكسب المرء ثروة لغوية تمكنه من الحديث بطلاقة، ومادة علمية تجبر جليسه على الاستماع والإنصات.

لاأدري متى سنقتنع بأهمية القراءة وحاجتنا إليها، فضلاً على أن نخطو خطوات جادة في هذا المجال!

وباختصار..

هل تريد أن تطور نفسك؟!

اقرأ إذن!!..


======
مجلة أحبار السنة الثالثة العدد (8) السبت 26 جمادى الأولى 1424هـ عنوان الزاوية: في الصميم

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




كلمة ( الأديان السماوية ) خطأ!!

مع ضعف العلم ، واختلاط الثقافات صارت تتردد عبارة (الأديان السماوية)، ويُقصَد بها: الإسلام، والنصرانية، واليهودية.. ويقولون إن الإسلام ناسخ لها، وهو لبسٌ خطير!
فما ثمة إلا دينٌ سماويٌ واحدٌ وهو الإسلام (إن الدين عند الله الإسلام)، (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)، أما النصرانية واليهودية فأديان الشيطان، وما جاء موسى وعيسى عليهما السلام إلا بالإسلام.. (والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد) كما قال نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم [صحيح البخاري ح3443] ، والمعنى واضح: أمهاتهم شتى أي شرائعهم مختلفة، ودينهم واحد وهو الإسلام.

قال ابن القيم – رحمه الله – :وقد دلّ قوله: (إن الدين عند الله الإسلام) على أنه دين أنبيائه، ورسله وأتباعهم من أوَّلهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن لله قط، ولا يكون له دين سواه. قال أول الرسل نوح: (فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين) وقال إبراهيم وإسماعيل: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)، (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابَنيَّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وقال يعقوب لبنيه عند الموت: (ماتعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك) إلى قوله(ونحن له مسلمون) وقال موسى لقومه: (إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) وقال الله تعالى: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون). وقالت ملكة سبأ: (رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين).فالإسلام دين أهل السموات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لايقبل الله من أحد دينا سواه.فأديان أهل الأرض ستة: واحد للرحمن وخمسة للشيطان! فدين الرحمن هو الإسلام، والتي للشيطان: اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، والصابئة، ودين المشركين. أ.هـ [مدارج السالكين 3/ 476]

قال ابن كثير : والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوّعت شرائعهم واختلفت مناهجهم. أهـ.[تفسير ابن كثير 1/ 447]

وهنا لابد أن نفرّق بين كلمة (دين) وكلمة (شريعة) فالأنبياء دينهم واحد وشرائعهم مختلفة، فدينهم الإسلام.. والإسلام هو “الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، كما عرفه شيخ الإسلام ونقله عنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الثلاثة الأصول، فالإسلام دين جميع الأنبياء وأتباعهم، فكل نبي دعا قومه إلى ذلك، وكل من اتبعه على ذلك فيعتبر مسلماً، سواء من أول الخلق أو آخرهم، فهو مستسلم لله بالتوحيد ومنقاد إلى الله بالطاعة، فدين الأنبياء واحد، وشرائعهم شتى ومختلفة بسبب حاجة البشر في كل زمان ومكان” [التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية للفوزان-(ج1/ ص224)]

الإسلام دين الرسل:هذا هو نوح عليه السلام يقول: [يونس/72]وهذا إبراهيم يقول الله تعالى عنه: ((فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ))((مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [آل عمران/67]وإبراهيم واسماعيل عليهما السلام يدعوان الله فيقولان: ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) وفي سورة البقرة توضيح شاف لدين إبراهيم عليه السلام ويعقوب عليه السلام وبنيه بني إسرائيل (الأسباط) يقول تعالى: ((وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)) [البقرة/130-133]وهذا أول رسل بني إسرائيل يوسف عليه السلام يقول: ((رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ )) [يوسف/101]وهذا موسى عليه السلام الذي ينتمي إليه - زوراً - اليهود يخاطب بني إسرائيل: ((وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ))[يونس/84]وهذا عيسى عليه السلام الذي ينتمي إليه - زوراً - النصارى يقول تعالى عنه: (( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) [آل عمران/52] وهذا سليمان عليه السلام وهو من أنبياء بني إسرائيل يخاطب ملكة اليمن باسم الإسلام ويرسل كتابه: ((إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)) [النمل/30، 31].
وأتباع الرسل قاطبة يعلنون انتماءهم للإسلام: يقول السحرة لفرعون: ((وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)) [الأعراف/126]ويقول الله عن الحواريين:
((وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ)) [المائدة/111]بل إن هذه المسألة واضحة عند فرعون .. قال تعالى عنه: ((حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) [يونس/90]والمؤمنون من أهل الكتاب في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم : ((الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ)) [القصص/52، 53] أما الكافرون من أهل الكتاب فيريدون أن يلبسوا علينا ديننا وأن نتبع أهواءهم.. يقول الله تعالى عنهم: (( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [البقرة/163]
فالقسمة ثنائية إما دين الإسلام أو أديان الكفر..قال تعالى : ((أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)) [آل عمران/83] إذا أدركنا هذا عرفنا طريقة التعامل مع دعاة تقارب الأديان، وقلنا لهم ما أمرنا الله به : ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) [آل عمران/64] وأدركنا الرد على اليهود إذ زعموا أحقيتهم ببيت المقدس فتلونا عليهم صدر سورة الإسراء وقلنا لهم: إن بيت المقدس ليس ملكا لأحد من الناس ، وإنما هو مسجدٌ بارك الله حوله بناه رسُلُه المسلمون وعمرَهُ بنو إسرائيل لما كانوا مسلمين، فلما كفروا أخرجهم الله منه.

عبارة الأديان السماوية حادثة:
من خلال بحث سريع في البواحث الإلكترونية وجدت أن هذا المصطلح (الأديان السماوية) مصطلحٌ حادث لم يكن معروفا عند أسلافنا، وإنما انتشر في الأزمنة المتأخرة، ومع هذا لم نجد من المعاصرين مَن نبه عليه إلا القليل.. بل المشكلة أنك ربما وجدت في ثنايا كلام أهل العلم التلفظ بهذه العبارة دون الانتباه لمعناها..

يقول الشيخ صالح آل الشيخ
: الرّسل دينهم واحد، والله - عز وجل - لم يبعث رسولاً إلا بدين الإسلام. ولكن الشّرائع تختلف كما قال - عز وجل - ((لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا))[المائدة:48]، وقال ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ))[آل عمران:19]، وقال ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ))[آل عمران:85] يعني سواءٌ أكان من قَبل محمد صلى الله عليه وسلم أم كان بعد محمد صلى الله عليه وسلم، لا يقبل الله من أحد إلا الإسلام. فالرّسل جميعا دينهم واحد كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «الأنبياء إخوة لعلاّت الدين واحد والشرائع شتى».وهذا يُبَيِّنُ لك أنَّ أهل الإسلام وخاصَّةً أهل السنة والجماعة لا يقولون ولا يعتقدون بأنَّ الأديان التي جاءت من السماء متعددة، كما يقول الجاهلُ: "الأديان السماوية"، فالسماء التي فيها الرب - جل جلاله - وتقدس في علاه ليس منها إلا دينٌ واحد، وهو الإسلام، جاء به آدم عليه السلام، وجاء به نوح وجاء به جميع المرسلين إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فدين موسى عليه السلام الإسلام، ودين عيسى عليه السلام الإسلام، ودين إبراهيم عليه السلام الإسلام، وهكذا، فجميع المُرسلين جاؤوا بدين الإسلام الذي لا يقبل الله - عز وجل - من أحد سواه ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ))، ومن الباطل قول القائل: "الأديان السّماوية"، ففي هذا القول تفريق بين الرسل.أهـ
[شرح العقيدة الطحاوية (ج 1 / ص 433)].

وقد أورد الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله - نقلان مهمان عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في أن دين جميع الأنبياء واحد لا يدخله النسخ، شرائعهم متعددة، وجميعها منسوخة بشريعة خاتمهم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن لم يؤمن به وبشريعته فهو كافر مع التنبيه على خطأ المقولة الحادثة : ” الأديان السماوية”. [الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان ص/45ترقيم موقع الاسلام].

نسأل الله الفقه في الدين.

========
نُشر المقال في هذه المدونة بتاريخ 28/ 1/ 2008م.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



سعيد في سجن الاحتلال.. (مسرحية)

خلفية المسرح : زنزانة مكتوب عليها بعض الكتابات التحريضية ضد اليهود بالخط العريض “لااستسلام” ، ” لا لن أستكين”“اليهود عدونا اللدود” .. “بالروح بالدم نفديك ياأقصى”..
داخل الزنزانة سرير صغير يعلوه المجاهد “سعيد” وفي يديه القيود .. ويحمل ورقة

سعيد:
آه .. ماأقسى غربتي … [يسكت قليلاً] .. آه تذكرت.. وصلتني البارحة رسالة من ابن عمي (سالم) .. ماعساه أن يكتب فيها.. ذلك المغبون؟!يخرجها من تحت الوسادة ويفتحها ..

صوت ابن عمه يقرأ عليه الرسالة:
أخي وصديقي “سعيد” لقد آلمني طول مكثك في سجون الاحتلال طوال هذه المدة..
زوجك آلمها فراقك .. وأنهكها البحث عن لقمةِ عيشٍ لأولادك الصغار الذين يتضاورون جوعاً ..
أيها البطل! لقد قدمت من صور الفداء ما يكفي.. وآن لك أن تفخر بذلك المجد .. وتعود إلى أبنائك وأهلك ..
إني أخاف أن تُنسى في هذه السجون حيث لاسائل ولامجيب.. ولاصديقَ ولاحبيب! ..
يا ابن عمي:لقد وصلتني أخبارٌ أنك ستنفى أنت ومن معك إلى خارج البلاد.. وأنا مشفق عليك من ألم الغربة..
ياسعيد! عُد إلى رشدك! وهادن!كفى ماقدمتَ من تضحيات!وماذا كانت النتيجة؟! ..
سجنٌ وتشريد .. فقرٌ وإذلال!..ياسعيد! بإمكانك الآن أن تنهي حياة البؤس والفقر! وتسبدلها بالرغد والنعيم..كلُّ ماعليك..هو أنْ تطلب من الحارس مقابلة الجنرال شمعون.. وتُمضي ما سبق أن طلبت منك..


[ يغضب سعيد .. ويمزق الورقة .. ويقول:]

سعيد: هذا الخائن! إنَّما أُوتينا مِن قِبَلكم أيها الأنذال …

[يستلقي على السرير ثم تُطفأ الأنوار .. ويبقى ضوء خافت .. صوت يناديه من الخارج”حديث النفس” ]

النفس: ماذا دهاك؟! ماذا دهاك؟! ماذا دهاك؟!

سعيد: مَن؟ من يخاطبني؟ أوَ في الزنزانة أحدٌ سواي؟! [ يقوم ويدور في الزنزانة]

النفس: أنا ياحزين! .. أنا نفسُك المعذّبة!..
عجبتُ لحالك ياحزين!..يُعرَض عليكَ النعيمُ وترفض؟! ويطيب عيشُكَ في الحزن؟!
تبيعُ النعيمَ مِن أجل السراب؟!

سعيد: أي سرابٍ يانفس؟ الدفاع عن القدس ومقاومةُ المحتلين سراب؟! ..
بل السرابُ أن نكون بلا وطن! وبلا كرامة!..
السراب.. أن نترك القدس تدنسها الكلاب..ونلهث معها خلف الحلول الوهمية..
إيه يانفسُ.. .. .. ألا تسمعين؟ .. ألا تسمعين؟! .. … القدسُ تصرخُ تستغيثُكِ فاسمعي ..

[يجثو على ركبتيه حزيناً]

النفس: ياسعيد! وما عليك إذا غدوتَ بلا وطن!؟ ..
ياسعيد!.. إذا كان الوطن سيُفقِدُكَ لذةَ الحياة ورغَد العيش فماقيمته؟!
عش شبابك ياسعيد!استمتع بحياتِك .. وللوطن مَن يحميه!!..
[ينهض سعيد .. بعزة ويناشد نفسه]

سعيد: لا يانفسُ! .. ماقيمةُ الحياة بلا عزة؟!
الموتُ خير من حياة الخنَّعِ..
الموتُ خير من حياة الخنَّعِ..

[يجلس سعيد مطأطئا رأسه على السرير … تطفأ الإنارة …أنشودة من الخارج: ]

ماذا دهاك يطيب عيشك في الحزن *** تشري النعيم وتمتطي صهو الصعاب
ماذا عليك إذا غدوت بلا وطن *** ورضيتَ رغد العيش في ظل الشباب
***
ياهذه يهديكِ ربي فارجعي القدس تصرخ تستغيثك فاسمعي
والجنب مني بات يجفو مضجعي فالموت خير من حياة الخنع
ولذا فشدي همتي وتشجعي

[… تضاء الإنارة .. وسعيد جالس على السرير]

النفس:
اسمعني ياسعيد!هاأنت ترسُفُ بالقيودِ بلا ثمن ….وغداً تموتُ وتنتهي ..
وهل تظن أن أحداً سيسمع عن وفاتك أو يحزن لفراقك ..أخبرني ياسعيد!مقابلَ ماذا تقدمُ كلَّ هذه التضحيات؟!


سعيد: [يقف]
لايانفسُ! لا تُضعِفي عزيمتي وهمتي!لاتجزعي وتصبَّري!..
[ينظر للقيد]
إنّ هذا القيدَ لن يضيعَ هباءً .. مهما طال أسري.. ومهما طال قيدي..
ياهذه! إنَّ الدعواتِ.. تظهرُها القيود وتعليها العقبات ..

النفس:
وإن متَّ هَمَلاً ياسعيد؟!

سعيد:
فلا أبالي .. إذا كان (في الله) مصرعي ..

النفس:
واعجباً!.. وبنوك .. تتركهم لمن؟! … وزوجُك المسكينة! مَنْ يحميها مِن الذئاب؟

سعيد:
في حفظ ربي.. لاتثيري مدمعي … في حفظ ربي.. لاتثيري مدمعي …
[يبكي.. ويجلس على الأرض .. تطفأ الأنوار .. أنشودة من الخارج: ]

هاأنت ترسف في القيود بلا ثمن *** وغداً تموت وتنتهي تحت التراب
وبنوك واعجبي! ستتركهم لمن *** والزوج تُسلمها فتنهشها الذئاب
***
القيد يُظهر دعوتي يوماً فعِ
وإذا قتلت ففي إلهي مصرعي
والزوج والأبناء مذ كانوا معي
في حفظ ربي لاتثيري مدمعي
وعلى البلاء تصبري لاتجزعي

[… تضاء الأنوار ]

النفس:
إني أخاف عليك أن تُنفَى غدا..وهل تطيق النفي ياهذا؟!
ومَن لك هناك .. بصديقٍ مؤتمَن؟! يشاطرُكَ الأحزان .. ويبادلك الهموم..
إن وطنك الذي تدفع حيتاك وراحتك ثمناً له.. سيُبعِد عنك حينها .. ويفارقك إلى نهاية الحياة..

سعيد:[ينهض]
يانفس كُفِّي عن هذا التخذيل!
إن مرادي الجنة .. وثمنها البذل والجهاد ..
أما الحياة الدنيا فمآلها إلى الزوال .. فلاتطمعيني بزخرفها وزينتها ..
إنَّ سعادتي في أن أنال الشهادة في سبيل الله ..
[ تطفأ الأنوار … أنشودة: ]

إني أخاف عليك أن تنفى غدا *** ويصير بيتك خاوياً يشكو الخراب
وتهيم بحثاً عن خليل مؤتمن *** يبكي لحالك أو يشاطرك العذاب
* * *
إن تصبري يانفس حقاً تُرفعي
في جنة الرحمن خير المرتع
إن الحياة وإن تطل يأت النعي
فإلى الزوال مآلها لا تطمعي
إلا بنيل شفاعة فتشفَّعي

النفس:
ياسعيد! ياعبدالله! إني أراك قد بعتَ دنياك بأخراك.. فهنيئاً لك البيعُ الرابح ..
فامض ياسعيد! وإياك أن تهادن! أو تستسلم .. مهما بلغت التضحيات..
إنك قد رضيت حياة الكبار فعشها كما أردت .. فلا ولن أرضى حياةً لاتظللها الحراب…

إني أعيذكَ أن تذلَّ إلى وثن *** أو أن يعود السيف في غمد الجراب
فاقضِ الحياة كما تحب فلا ولن *** أرضى حياةً لا تظللها الحِراب

[….. يغلق الستار]

=========
نُشِرت المسرحية في منتديات أنا المسلم بتاريخ 20/ 8/ 2007م
نشيد :ما ذا دهاك؟
رابط مباشر : اضغط هنا
رابط الحفظ: اضغط هنا
أناشيدحي على الجهاد 7 : اضغط هنا

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



الطريق إلى نادي الهوايات الصيفي(*)

يُعدّ نادي الهوايات الصيفي تجربة إبداعية وجريئة، لذا يتردد الكثير من مشرفي الأندية الصيفية بخوض غمار هذه التجربة!!..والحق أن التحول إليها يتطلب جهداً متواصلاً ودراسة متأنية، لأن لكل ناد صيفي ظروف تلائمه، وإمكانيات تحكمه..
أما إذا كان المقصود هو تحوير الفكرة لتناسب البنات فإن المهمة تكون أشق.

في الأسطر التالية سأحاول أن ألقي الضوء على الخطوات العملية اللازمة لننتقل إلى نادي الهوايات الصيفي(للبنين أو البنات):

* الخطوة الأولى:

بادئ ذي بدء لابد من قناعة إدارة النادي بأهمية دراسة الفكرة على الأقل، والنظر في إمكانية تطبيقها ولو بصورة جزئية..في أحيان كثيرة توجد في إدارة النادي العديد من الطاقات الشابة التي ترغب بالتجديد، والتطوير.. لكنها تعمل ضمن فريق قد لايستوعب الإبداع أو لايحتمل نقلته السريعة!!.. مما يزيد العبء على تلك الطاقات المبدعة..
ولكي ننقل فريقنا نقلة إبداعية لابد أن نعلم أن وحدة الصف والانطلاق بروح الفريق أولى من أي نقلات تجديدية! .. (في زماننا باتت القدرة على العمل ضمن فريق شرطاً ضرورياً للإنجازات العملاقة، وبات من الواجب على كل واحد منا أن يشذب في شخصيته كل الزوائد التي تمنعه من الاندماج والالتحام بالآخرين!) [د.عبدالكريم بكار-256بصيرة في الشخصية..] وعليه فلابد من إتقان فن الحوار ومهارات الإقناع، وإطالة النَّفَس لإعطاء وقت كاف لطاقم الفريق باستيعاب الفكرة وإدراك أهميتها أو أهمية دراستها على الأقل.. كما أن على إدارة النادي استيعاب الاقتراحات التي تأتيها من أعضاء الفريق ، وإذا رأت أن اقترحاً قُدِّم لها من العيار الثقيل كالاقتراح الذي نحن بصدده فعليها أن تُكلِّف صاحب الاقترح برئاسة لجنة لدراسة اقتراحه! لتكون بذلك على مشارف الخطوة الثانية.

* الخطوة الثانية:

تكليف لجنة من داخل النادي لدراسة الفكرة وإمكانية تطبيقها ولو جزئياً. والحديث حول هذه الخطوة يطول، ولعلي أَبْسط الحديث عنها في حلقة قادمة إن شاء الله.. كل ما أستطيع أن أقوله الآن: أنَّ على اللجنة الاطلاع على التجربة من خلال قراءة متأنية لكتاب (نادي الهوايات الصيفي) وزيارة الأندية التي بدأت بالفعل بخوض التجربة، ثم تقويمها بعد ذلك.. فإذا رأت أنها مناسبة وقابلة للتطبيق ، تتنتقل اللجنة إلى المرحلة الثانية وهي دراسة تطبيق الفكرة وتحويرها وفق رؤيتها بناء على الدراسة السابقة وعلى إدراكها لواقعها..
هناك الكثير من النقاط التي تحتاج إلى حسم: المنتديات وعددها وأقسامها ، الوظائف، آليات التقييم، صالة الملتقى، الهيكل الإداري… إلخ، وقد تحتاج في هذه المرحلة إلى ممارسة العديد من الأساليب كحلق النقاش المطولة والاستبانات والاستضافات واستشارة أهل الخبرة..بعد الانتهاء من هذه القضايا واكتمال دراسة الفكرة يكون قد آن الأوان للخطوة الثالثة.

* الخطوة الثالثة:
اللجنة المكلَّفة استوعَبت الفكرة وتحمَّست لتطبيقها وفق الرؤية التي رسمتها.. لكن الأمر ليس كذلك لدى بقية فريق العمل في النادي الصيفي! فتحتاج إدارة النادي إلى الاطلاع على خلاصة الدراسة وإقرارها ، ثم عرضها على بقية أعضاء الفريق في جلسات متتابعة ، وإعادة تقويمها بشكل جماعي وسريع.. ومع أن هذه الخطوة تطيل الطريق لكنها مُهِمَّة في نجاح النادي بثوبه الجديد.. لأن المطلوب هو الانطلاق بروح الجماعة لا برؤية النخبة!!.

* الخطوة الرابعة:
وضع دعاية قوية لنادي الهوايات الصيفي، ووضع آلية لتعريف الطلاب أو الطالبات بالفكرة والوظائف (الهوايات) المناسبة لهم.

* الخطوة الخامسة:
تقويم التجربة الجديدة للنادي الصيفي، وتطويره بناء على نتائج التغذية الراجعة.

هذه إطلالة سريعة على خطوات عملية (وآمنة) توصلنا لنادي الهوايات الصيفي.. آملاً من إخواني أن يزودوني بكل ما من شأنه النهوض بأنديتنا الصيفية. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.

=======
(*) فكرة نادي الهوايات الصيفي فصّلتها في كتاب (نادي الهوايات الصيفي، إطلالة جديدة في عالم المراكز الصيفية) والذي طبع عام 1427هـ.

نُشر المقال في هذه المدونة بتاريخ 28/ 1/ 2008 م
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


بسم الله الرحمن الرحيم


سؤال:

إلى فضيلة الشيخ / إبراهيم الخميس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:إننا نبعث إليكم هذين الكتابين (لاتهتم بصغائر الأمور فكل الأمور صغائر) و (لاتهتم بصغائر الأمور مع أسرتك) للمؤلف الأمريكي د/ريتشارد كارلسون..إننا بعد الاطلاع عليهما وجدنا أنفسنا في حيرة من أمرهما، فهما في ظاهرهما وكما يبدوان يدعوان إلى الأخلاق الكريمة التي دعا إليها الإسلام وأمر بها .. ولكن هل ينطبق عليهما قول: “يدس السم بالعسل” هذا ما أردنا السؤال عنه، لأننا كنا منبهرين بهما وبما يدعوان إليه وخاصة أن الكاتب نصراني.فإذا قلنا أنه لم يطلع على السيرة النبوية وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إذاً من المستحيل أن يتوصل إنسان حتى لو كان عالماً لما أوتي النبي صلى الله عليه وسلم ..والذي يحيرنا أكثر إذا وضعنا احتمالا بأنه اطلع على السيرة والأحاديث والقرآن .. وأخذ منهما لكي يوهم المسلمين بأن ما عندهم ليس بالشيء المعجز وأنه يتوصل إليه أو يفكر به أي إنسان.. ولأننا لسنا على درجة من العلم ونريد إبراء ذمتنا أمام الله تقدمنا بالسؤال عنهما وما هدف الكاتب من هذه الكتب .. فلا نريد ظلما له ولا نريد أن ننخدع بأقواله التي والله أعلم أنه .. اقتبس فعلا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ..فنرجو من فضيلتكم الاطلاع وإفادتنا وإفادة المسلمين.. لأننا نتوقع أن هذا أسلوب جديد في الدعوة إلى النصرانية والله أعلم .. وجزاكم الله عنا كل خير.

طالبات المستوى الأول بمعهد إعداد معلمات القرآن.



الإجابة:


الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فأشكر الأخوات الفاضلات على مالمسته منهن من حرص واهتمام بأمور الدين .. وأرجو أن يوفقني الله للإجابة على تساؤلاتهن..

بداية أحب أن أشير إلى عدد من النقاط:

• ما يطرح في الوقت الحاضر من أطروحات غربية تتعلق في المجال الإنساني وتعنى غالبا في الجانب العملي.. هي نتاج آراء وتجارب قابلة للنقاش والأخذ والرد.. وأقربُها لنا - نحن المسلمون - ما كان يعنى بالحلول العملية لمشكلات العصر.. وأبعدُها ما يهتم بالتنظير ووضع الأطر الفلسفية للحياة الإنسانية لأنها حينئذ تكون قريبة جداً من فلسفة الغرب السائدة..

• هذان الكتابان لم يؤلفا ليقرأهما المسلمون، وإنما ألِّفا للقرَّاء الغربيين، ثم تُرجما بعد ذلك للعربية.. وبالتالي فأنا أستبعد ما ذكرته الأخوات من وجود رسالة خفية، ضد الإسلام أو أنه يدس السم في العسل.. أو أنه أسلوب جديد لدعوة المسلمين إلى النصرانية..

• لم أرجع إلى الكتاب الأصلي .. لكني أعتقد أن المترجم قد تصرف في بعض عناوين الفصول، وربما في بعض الكلمات المترجمة.. ومن أمثلة ذلك: (حاجة من عاش لاتنقضي) فهذا شطر من بيت عربي مشهور :


نروح ونغدو لحاجاتنا … وحاجةُ من عاشَ لا تنقضي


وكذلك عنوان (أخف صدقتك حتى لاتدري شمالك ما أنفقت يمينك) فهذا جزء من حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله المتفق عليه. أما الكفار فهم لايفرقون بين اليمين والشمال بشيء..وكذلك عنوان (ارض بما قُدِّر لك) فالفلسفة الغربية قائمة على إنكار إرادة الله الكونية.. وهم يرون أن الإنسان يسيِّر نفسه، ولكنه لايعلم ما يأتيه في مستقبله، وهل هو خير له أم شر.وكذلك عنوان (البركة في البكور) فمع أن المؤلف حث على الاستيقاظ مبكرا.. إلا أني أشك في وجود مصطلح “البَرَكة” عندهم .. وفي الحديث (اللهم بارك لأمتي في بكورها) وهو حديث حسن بشواهده.. وكذلك عنوان (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) فهذا أثر مشهور روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص .. أما الغربيون فلا يؤمنون بالآخرة .. وهذا واضح في مؤلف الكتاب، فهو لم يذكر الآخرة في كتابيه إطلاقا..

• تعاليم شريعة الإسلام ليست بعيدة عن طبيعة البشر بل هي موافقة للفطر السليمة، لذا لا عجب أن يهتدي بعض الناس إلى الحق الذي فيه دون أن ينهلوا مباشرة من معين الإسلام، وأن يقتنعوا به.. خاصة في هذا الزمان الذي تطورت فيه وسائل الاتصالات وانتشر العلم في كل مكان.. ورجلٌ في مكانة (ريتشارد كارلسون) يتوقع منه أن يكون واسع الاطلاع.. وربما اطلع على بعض التوجيهات الإسلامية أو التقى بعض المسلمين فاستفاد من الإسلام بشكل مباشر أوغير مباشر. وعلى أي حال ينبغي أن نعلم أن كل ما جاء به الإسلام حق .. أما ما جاءت به عقول البشر ففيه الحق وفيه الباطل.. خاصة إذا كنا نتحدث عن أهل الكتاب.. فلربما كان في الكتب التي بين أيديهم بعضُ حقٍّ لم تطلْهُ يدُ التحريفِ البشرية.

• ثقافتنا الإسلامية مليئة بالكنوز التي تغنينا عن حكايات وتجارب هذا الرجل .. وفي تاريخ أمتنا من القصص والعبر والدروس ما يكفي إصلاح الأمة .. لكن الناس مع الهزيمة النفسية التي يعيشونها انصرفوا عن تدارس السيرة النبوية وتاريخ ابن كثير و(سير أعلام النبلاء) و (صفة الصفوة) و(الإصابة) وكتب التفسير والحديث والعقيدة واتجهوا لقراءة كتب تُعنى بعرضِ تجاربٍ شخصية لكفارٍ تصيبُ أو تخطئ.. والواجب بالمثقفين أن يعيدوا صياغة كتب التراث لتظهر بأسلوب حديث دون أن يمسوا مضمونها أو يغيروا حقائقها وثوابتها.

• أغلبُ الكتابات الغربية تدور على مبدأ تحقيق اللذة واجتناب الألم، ومبدأ إشباع الغرائز والحاجات [ينظر: الصبيح: تمهيد في التأصيل ص120] وهذان الكتابان لايخرجان من هذا النسق، فكثيراً ما يرجع المؤلف الهدف من فعل الخير إلى ما يستفيده الإنسان داخلياً من تحقيق المشاعر الدافئة والرضى الداخلي، يقولُ - مثلاً - في ص26 من كتابه الأول : (إن على الشخص فعلاً أن يعطي من أجل العطاء فقط(!)، لا أن يحصل على شيء في مقابله.. إن جزاءك هو المشاعر الدافئة التي تحصل عليها عند العطاء (!!). في المرة القادمة عندما تقدم عملاً طيباً جداً لشخص آخر اجعله في نفسك وانعم بالسعادة الغامرة الناتجة عنه).. لاشك أن السعادةَ الداخليةَ على فعل الخير إحساسٌ واقعٌ لكنها ليست الهدفَ النهائي من فعل الخير ، بل الهدف هو ابتغاءُ مرضاةِ الله والثوابُ منه. ويقول في ص22: (الغرض من الحياة..التمتع بكل خطوة على طريق الحياة) وأعتقد أن هذا النص لايحتاج إلى تعليق لأن أي مسلم يعلم أن الغرض من الحياة هو عبادة الله - بالمفهوم الشامل للعبادة. بل يوصينا في ص293 من الكتاب الثاني أن نُذَكِّر الآخرين دائما بأن يُحِبُّوا الحياة!!.. وأنا أُذكِّر نفسي وأذكِّركنَّ بأن نحب الآخرةَ فهي الحيوان.. ((وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )) [سورة العنكبوت64].

هذه إشارات مهمة حول هذين الكتابين ، ولعلي الآن أشير إلى مجموعة من الملاحظات التي مررت بها أثناء تصفحي للكتابين وهي تحتاج إلى تنبيه خاص مع التأكيد على أني لم أقصد استقصاء الملاحظات فهذا أمر يطول:

• تكلم المؤلف عن التصالح مع العيوب .. ولا تضاد بين طلب الكمال والرضا بالواقع الذي سيتغير إلى الأحسن .. إن التصالح مع العيوب لايعني التوقف عن طلب الزيادة وإنما يعني النظر بإيجابية إلى الحال الواقع. ويشهد لهذا حديث شداد بن أوس المرفوع: (الكيِّسُ مَن دان نفسَه وعمِل لِمَا بعد الموت، والعاجزُ مَن أتْبَعَ نفسَه هواها وتمنى على الله) أخرجه الترمذي وحسّنه.

• وردت أكثر من مرة عبارة (ولقد كان من حسن طالعي) وهذا تعبير غير مناسب، لأن التشاؤم من أعمال الجاهلية، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن ويكره الطِّيرة). أخرجه ابن ماجه وإسناده صحيح.

• عرَّف المؤلف الشفقة تعريفاً غريباً بأنها تعني استعدادك أن تضع نفسك مكان ذلك الشخص .. وهذه ليست الشفقة بل الحامل عليها ..

• ذكر لنا المؤلف حديث الأم تريزا: (لانستطيع أن نفعل أشياء عظيمة في هذه الدنيا، يمكننا فقط أن نفعل أشياء صغيرة ولكن بحب شديد) فرحم الله أمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم إذ تركت حديثه ولهثت وراء حديث الأم تريزا!!.. أخواتي الفاضلات: يمكننا فعل أشياء عظيمة.. والإخلاص واتباع المنهج الإسلامي الصحيح ركنان مهمان لتحقيق الإنجازات العظيمة..وعموماً كان مقصود المؤلف هو التأكيد على تقديم العواطف الرقيقة مع أعمال الخير وإن قَلَّتْ.. وقد تواترت النصوص في التأكيد على عمل الخير مهما قل، كما في حديث أبي هريرة المرفوع : (سبق درهم مائة ألف درهم) [أخرجه النسائي وحسنه الألباني].. أمَّا تقديم الحب قبل الصدقة فيغنينا عن حديث أمِّه تريزا قولُ الله تعالى : ((قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)) [سورةالبقرة263] وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ))[سورة البقرة264]

• ذكر المؤلف في ص155 : أن كل شيء صنعته يدُ الله فهو مقدَّس!.. ولا شك في خطأ هذه العبارة.. فكل ما سوى الله هو من خلقه.. والقداسةُ لاتكونُ إلا لما كتب الله له ذلك..

• ارقد على فراش الموت.. وصية جميلة تساعد الإنسان على ترتيب الأولويات.

• أخبره أنك تحبه.. فضل الصبر .. الحلم.. التواضع .. النهي عن الغيبة وغيرها كثير.. أكد عليها ديننا الحنيف، وطبقها سلفنا الصالح.. لكننا غفلنا عنها..

• قراءة ما يخالفك الرأي .. هذه الوصية محل نظر .. فلا يؤخذ الأمر على إطلاقه.. بل الصواب فيها أن لايُشَتِّت الإنسان نفسه فيختلط عنده الحق بالباطل .. بل نقول: انهل من معين الإسلام، وتحصن بالعلم الحق .. ثم لامانع أن تطلع على الثقافات الأخرى اطلاعاً ناقداً وقراءةً واعية..

ختاماً..

في الكتابين العديد من الوصايا الجميلة التي يستفيد منها من يطَّلع عليها.. وإن كان الواجب علينا الاهتمام بكتاب ربنا الذي فيه هدايتنا . كما قال سبحانه:((إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً )) [سورة الإسراء9].

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

الاستحاضة

تعريفها:
هي دم يشبه الحيض وليس بحيض، بل هو دم عرق وفساد لاينقطع إلا بالبرء منه.
جاء في الاستحاضة أحاديث صحيحة، واستحيضت في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم عددٌ من النسوة كما يلي:
1) فاطمة بنت أبي حبيش:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ فَقَالَ «لاَ إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِى الصَّلاَةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّى». متفق عليه [صحيح البخاري 1/84، صحيح مسلم1/180] وفي رواية «وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاَةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا» [صحيح البخاري1/89].
وعَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيرِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ حَدَّثَتْ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَانْظُرِي إِذَا أَتَاكِ قُرْؤُكِ فَلَا تُصَلِّ فَإِذَا مَرَّ قُرْؤُكِ فَتَطَهَّرِي ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ» رواه أبوداود والنسائي [سنن النسائي1/348].
وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِى حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِى عَنِ الصَّلاَةِ فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِى وَصَلِّى» رواه أبوداود والنسائي[سنن أبي داود1/121]
2) أم حبيبة بنت جحش، أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، اشتهرت بكنيتها، وهي زوج عبدالرحمن بن عوف، استحيضت سبع سنوات:
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتِ اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّى أُسْتَحَاضُ، فَقَالَ «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِى ثُمَّ صَلِّى». فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ. قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ وَلَكِنَّهُ شَىْءٌ فَعَلَتْهُ هِىَ. [صحيح مسلم1/180].
3) حمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، كانت زوج مصعب بن عمير ثم قتل عنها يوم أحد فتزوجها طلحة بن عبيد الله:
عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً وَكَانَ زَوْجُهَا يُجَامِعُهَا. [سنن أبي داود1/122] وحسنه الألباني [صحيح سنن أبي داود 2/116].
ولحمنةَ حديثٌ في استحاضتها ضعيفٌ مع أنه مشهور عند الفقهاء:
عن عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا، فَقَدْ مَنَعَتْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلاَةَ؟ قَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَتَلَجَّمِي» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاتَّخِذِي ثَوْبًا» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ: أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ» فَقَالَ: «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلاَثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكِ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ، لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ ،ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ، فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ» فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ». رواه الترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [سنن الترمذي1/188، 189]
ومدار الحديث على عبدالله بن محمد بن عقيل، قال عنه الدار قطني: ليس بالقوي، وقال الخطَابي: وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الحديث، لأنَّ ابن عَقيل- راويه- ليس بذاك، وقال البيهقي: تفرد به عبدالله بن محمد بن عَقيل، وهو مختلفٌ في الاحتجاج به، وقال عبد الرَحمن بن أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديثٍ رواه ابن عَقيل عن إبراهيم بن محمد عن عمران بن طلحة عن أمه حَمنة بنت جَحشِ في الحيض، فوهَنه ولم يقوِّ إسناده [تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي1/406] ورواه أبو داود في سننه وقال: سَمِعْتُ أَحْمَدَ – يَعنِي ابنَ حَنبَل – يَقُولُ: حَدِيثُ ابْنِ عَقِيلٍ فِى نَفْسِى مِنْهُ شَىْءٌ. [سنن أبي داود1/116]
4) امرأةٌ مِن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت استحاضتها لوقت، قيل هي زينب بنت جحش، وقيل هي سودة، وقيل أم سلمة [فتح الباري – ابن حجر 1/411]:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ. [صحيح البخاري1/85].

حكم المستحاضة:
لا تُمنَع مِن الصلاة ولا الصيام ولا الاعتكاف – بشرط أن تضمن عدم تلويث المسجد – ولا تمنع مَن الجماع حال استحاضتها، ولا يلزمها أن تتوضأ لكل صلاة فإن فعلت خروجاً من الخلاف فلا بأس، فإذا جاءها الحيض فعلت كما تفعل الحائض وإذا انتهى تغتسل وتصلي.

كيف تفرِّق المرأة بين الحيض والاستحاضة؟
النساء في هذا على أقسام:
(1) مميِّزة: وهي التي تستطيع التمييز بين دم الحيضِ ودم الاستحاضة، فإن لم تستطع التمييز فهي غير مميِّزة.
(2) معتادة: وهي التي تعرف شهرها ووقت حيضها ووقت طُهرها، فإن اختلط عليها الحساب فهي غير معتادة.
(3) متحيِّرة: وهي التي نسيت الوقتَ والعدد، فلا تذكرُ وقتَ حيضِها ولا مُدتَّه، ولا تستطيعُ التمييز. سُمِّيت بذلك لأنَّ أمرَها محيِّر، وقد تحيَّر الفقهاءُ في حلِّ مشكلتها حتى ألّفَ فيها الدارمي مجلَّداً ضخماً.
(4) مبتدَأة: وهي التي تحيض لأول مَرَّة فليس لها عادة، ولاتستطيع غالباً التمييز.
فصارت القسمة خماسية: معتادة غير مميِّزة، ومميِّزة غير معتادة، ومعتادة مميِّزة، ومتحيرة، ومبتدأة.
وسنوجِزُ الحكم في كل قسم بعون الله:
أما المعتادة غير المميزة فلا إشكال أنها تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي، للأدلة السابقة ، وهو قول الجمهور، وكذا فإن المميِّزة غير المعتادة تعملُ بالتمييز لأنه الممكن في حقها. أما المعتادة المميِّزة فاختُلِف فيها على قولين، والصواب أنها تعملُ بالتمييز لأنه أدق.
مسألة:
وهنا مسألة تحدث أحياناً للنساء إذ يستمر معهن دم الحيض أو النفاس أكثر من العادة، فإنهن يجلسن حتى يتبين لهن أنه استحاضة، مثاله: امرأةٌ حيضها ستة أيام فاستمر الدم معها سبعة أيام أو أكثر من ذلك، فنقول لها: تنظُر إلى الدم الذي زاد عن عادتها فإن كان دم حيض فتترك الصلاة والصيام له، وإن كان لونه ورائحته غير دم الحيض فإنها تغتسل وتصلي، والنساءُ أقدرُ على التفريق في ذلك.
أما المتحيِّرة فالصواب أنها تتحرَّى قدر استطاعتها لون الدم ورائحته ، وتتحرى وقت الحيض ومدته قبل أن يطرأ عليها المرض ، وتجتهد في ذلك ثم تبني عليه تقريباً وترجيحاً، والله أعلم بالصواب.
أما المبتدَأة فإن استطاعت التمييز عَمِلَت به، وإن لم تستطع فإنها تنظر حال أغلب قريباتها كأمها وخالتها وأختها، وتبني عليه، فإن كان غالب قريباتها يحضن سبعة أيام فإنها تحسب من ابتداء الحيض سبعة أيام ثم تغتسل وتصلي.

وخلاصة الأمر أنَّ المُقدَّم التمييز ثم العادة، وأن المرأة تجتهد ما تستطيع ((لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)) [البقرة : 286] .


تمت بحمد الله أبوب (فقه الطهارة المُيسَّر).
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


الحيض والنفاس (الجزء الثاني)

يجبُ على المرأة أن تغتسل بعد الحيض مباشرة، ولا يصح منها الغُسل إلا بعد الطُّهر لقوله تعالى (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة : 222] فقوله (يَطْهُرْنَ) أي ينقطع عنهن الدم وقوله (تَطَهَّرْنَ) أي اغتسلن، ولحديث عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ، فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ. [موطأ مالك2/80]

فإذا انقطع دم الحيض جاز قبل أن تغتسل:
1) الصومُ، لأن الطهارة ليست شرطاً في صحته، كما في حديث أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَىِ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أَنَّهُمَا قَالَتَا: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلاَمٍ فِى رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ. [صحيح مسلم3/138]
2) والطلاق، لأن الطهارة ليست شرطاً في صحته، فلو طَلَّقها وهي جُنُب لصَحَّ الطلاق كأن يطلِّقها وهي حامل، أو وهي آيسة أو صغيرة، أو تكون قد احتلمَتْ.
3) وتبدأ عِدَّتها فور طُهرِها قبل الاغتسال على القول الصحيح.

أما ماسوى ذلك مما تُمنَعُ منه الحائض فإن المنع يستمر حتى الاغتسال:
1) الصلاة، إجماعاً، لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قَالَ : «لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». [صحيح البخاري9/29]
2) الطواف، لحديث عَائِشِةَ رضي الله عنها مَرفُوعَاً «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» متفق عليه. [صحيح البخاري1/84، صحيح مسلم 4/30] وفي رواية عند مسلم «حَتَّى تَغْتَسِلِى».
3) مس المصحف، لحديث لحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات بعث به مع عمرو بن حزم وفيه: «ولا يمس القرآن إلا طاهر» [صحيح ابن حبان 14/501، وتقدم تخريجه في "نواقض الوضوء"].
- لاتُمنَعُ الحائض مِن قراءة القرآن، إذ لا دليل على منعها من ذلك، ولم يرد أنَّ النساء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كُنَّ يُمنَعن من قراءة القرآن حال الحيض، أما قياس الحائض على الجُنُب فقياس مع الفارق إذ أنَّ فترة الجنابة قصيرة جداً، وهي بيد المُجنِب بخلاف الحيض.
لكن إذا انقطعَ الدمُ عن الحائض فيتوجَّهُ مَنعُها من قراءة القرآن حتى تغتسل إذ لاعُذر لها فأشبهت الجُنُب.
4) وجاز لها بعد أن تغتسل المُكث في المسجد، للآية.
5) والجماع لقوله لقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) أي ينقطع الدم (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) أي اغتسلن (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة : 222].

صفةُ دم الحيض والنفاس:
اللون: أحمر داكِن (يميل إلى الأسود)
الطبيعة: ثخين
الرائحة: مُنتِن.

مُدّة الحيض والنفاس:
لا حَدَّ لأقلِّ الحيضِ ولا حَدَّ لأكثره، لعدم الدليل على التحديد شرعاً ولا لُغةً ولا عُرْفاً.
وغالبُ النساء لايقلُّ حيضُها عن يومٍ وليلة، ولا يزيدُ عن خمسة عشر يوماً كما نقل نحو هذا عن عدد ما السلف.
وكذا لاحدَّ لأقلِّ الطُّهر بين الحيضتين ولا حدَّ لأكثره، إلا أنَّ الغالب أنْ لا يقل الطهرُ بين الحيضتين عن ثلاثة عشر يوماً.
وكذا لا حدَّ لأقلِّ النفاس ولا حدَّ لأكثره ، وغالب النساء ينفسن أربعين يوماً.
فإذا رأت النفساءُ الطُّهرَ اغتسلت، وإذا تجاوزت أربعين يوماً ولم تطهُر فتنظر إذا كان الدمُ دم نفاس طبيعته ولونه ورائحته فتنظر حتى ينقطع إلا إذا تبين لها أنه استحاضة.

ومَن قال: إنَّ أكثر الحيض خمسة عشر يوماً فلازمهُ أنْ لو زادتْ حيضَتُها عن تلك المدة ولو بساعة عَدَّ ذلك استحاضةً.

ابتداء الحيض وانتهاؤه:
غالب النساء لايحضن قبل التاسعة وينقطع عنهن الدم عند الستين أو قبلها بقليل.

كيف تعرف المرأة انتهاء الحيض؟
النساء على نوعين:
1) التي ترى (القَصَّة البيضاء)، فإنها لاتطهُر إلا بعد أن ترى القصة البيضاء. والقصة البيضاء: سائل أبيض يخرُج مِن الَّحِم بعد انقطاع الدم. وأغلب النساء مِن هذا النوع، يدل على ذلك حديث عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ، فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ. [موطأ مالك2/80]
2) التي لاترى القَصَّة البيضاء فإنها تطهُر إذا جفَّت، وتعرفُ الجفاف بأن تضع على فرجِها شيئاً (منديل أو قطنة) فيخرُجُ جافَّاً.

- إذا رأت المرأةُ بعد الطُّهر الكُدرةَ والصُّفرةَ فلا تَعدُّها شيئاً لحديث أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لاَ نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا. [سنن أبي داود1/122]

المُبتدأة:
هي: الصغيرة التي يأتيها الحيض ابتداءً ، فتظل لأشهر ليسَ لها عادة.
إذا رأت المبتدأةُ الدمَ فحكمها حكم الحائض فتجلس حتى ينقطع عنها الدم كالمعتادة (على القول الصحيح) إلا إذا تبيَّن لها أنَّ ما أصابها استحاضة.

هل تحيضُ الحامل؟
الأصل أنها لاتحيض، لكن إن جاءها دم كدم الحيض لوناً ورائحة وطبيعة في وقت الحيض وعادته فإنها تعدُّه حيضاً يأخذُ أحكام الحيض كُلِّها إلا في العِدَّة لقوله تعالى (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق : 4]، أمّا إذا لم يكن دم حيض أو على غير عادته فهو دم فساد أو استحاضة.

أما الدم الذي قبيل الولادة مع طَلْقٍ فهو دم نفاس.

وللحديث صلة..
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


الحيض والنفاس (الجزء الأول)

الحيض لُغَةً: مُشتقٌّ مِن حاض الوادي إذا سال.
وفي اصطلاح الفقهاء هو: دم طبيعة وجِبِلَّة ترخيه الرحم في أوقات معلومة. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في الحج لمَّا حاضت تطييباً لخاطرها «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» متفق عليه [صحيح البخاري1/81، صحيح مسلم 4/30].
وهو علامة البلوغ للمرأة لحديث عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ». أخرجه أهل السنن[سنن أبي داود 1/244] وصححه الألباني [صحيح أبي داود 3/206] وحائض أي: أَي بَلَغَت سنَّ المَحِيض وجرى عليها القلم ولم يُرِدْ في أَيام حَيْضِها لأَن الحائِضَ لا صلاة عليها. [لسان العرب 7/142]

والنفاس هو : دم طبيعة وجِبِلَّة ترخيه الرحم بسبب خروج الولد. وأحكامه أحكام الحيض في الجملة، ويطلق أحدهما على الآخر تجوزاً.

ماذا يترتب على الحيض؟
إذا حاضت المرأة فثمة أحكام فقهية تترتب على الحيض، وهي:
1) أداء الصلاة، لحديث أبي سعيد الخدري «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ».[صحيح البخاري1/83]
2) ووجوب الصلاة، لذا لاتقضيها المرأة بعد أن تطهر من الحيض، لحديث مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِى الصَّوْمَ وَلاَ تَقْضِى الصَّلاَةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟! قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ! وَلَكِنِّى أَسْأَلُ، قَالَتْ: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ». [صحيح مسلم1/182]
3) وأداء الصوم، لا وجوبه، فيجب عليها قضاء الصوم بعد الطُّهر للأحاديث السابقة، وما مضى محل إجماع بين أهل العلم.
4) والط
واف، لحديث عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لاَ نَذْكُرُ إِلاَّ الْحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟» قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ، قَالَ: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» متفق عليه. [صحيح البخاري1/84، صحيح مسلم 4/30]
- لو اضطُرَّت
إلى الطواف، كأن تكون بعيدة ومعها رفقة تخاف فواتها ولم تطف طواف الإفاضة، فهل يجزؤها أن تطوف وهي حائض؟
الحائض يسقط عنها طواف الوداع بدليل حديث عائشة رضي الله عنها: أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللهِ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «فَلْتَنْفِرْ». متفق عليه [صحيح البخاري5/223، صحيح مسلم 4/94]
أما طواف الإفاضة فلا يسقط عن المرأة، فلو أن امرأةً حجت وحاضت قبل أن تفيض فيجب عليها أن تنتظر حتى تطهر ثم تغتس
ل وتطوف، وينبغي على وليها أن ينتظر معها، ولها أن ترجع إلى أهلها إن كان منزلها قريباً ثم تعود للطواف بعد الطهر في أشهر الحج لكنها في هذه الحال تظل على إحرامها حتى تطوف الإفاضة.
وهنا مسألة: لو أن امرأة حاضت في الحج ولم تطف الإفاضة، وهي من بلاد بعيدة، وليس من السهل عليها الرجوع للحج مرة أخرى، وخافت فوات الرفقة فماذا تفعل؟
رجح شيخ الإسلام جواز طواف الحائض طواف الإفاضة بعد أن تغتسل وتتحفظ كما تفعل المستحاضة، وعليها دم فدية لتركها شرط الطواف، وذلك في حال الضرورة أو الحاجة الشديدة. [مجموع الفتاوى 26/219-241]
وهذا ربما يحدث للنساء اللاتي يأتين من بلدان بعيدة، وغالباً لايتيسر لهن الحج إلا مرة في العُمُر لبعد المسافة وتكلفة الحج، وربما تضطر إلى السفر قبل أن تطهر لأنها لاتستطيع تفويت موعد الطائرة وترك حملة الحج التي جاءت معها، فيجوز لها في مثل هذه الحال أن تغتسل وتتحفظ ثم تطوف بالبيت وتفدي لتركها شرط الطواف. أما النساء اللاتي يستطعن الانتظار أو الرجوع كمثل حال نسائنا في الحجاز ونجد فيتعين عليهن الانتظار حتى يطهرن.
5) ويمنع الحيضُ مسَّ المصحف لحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات بعث به مع عمرو بن حزم وفيه (ولا يمس القرآن إلا طاهر) [صحيح ابن حبان 14/501، وتقدم تخريجه في "نواقض الوضوء"].
6) واللبثَ في المسجد، إلا المرور لحاجة فجائز لقوله تعالى (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء : 43] ولحديث عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنهَا قَالَتْ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «نَاوِلِينِى الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ». قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّى حَائِضٌ، فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِكِ». [صحيح مسلم1/168] والخُمرة: حصيرٌ صغير قَدر ما يُسجَدُ عليه يُنسَج من السَّعَفِ، سُمِّيت خُمْرة لأَنها تستر الوجه من الأَرض. [لسان العرب4/254]
7) والوطء في الفرج، أجمع العلماء على ذلك، لقوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة : 222] ولحديث أَنَسٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم النَّبِىَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالاَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَلاَ نُجَامِعُهُنَّ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا، فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فَأَرْسَلَ فِى آثَارِهِمَا، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. [صحيح مسلم1/169]
وإتيانُ الحائض في فرجها أمرٌ مُستَقذَرٌ، فمَن اقترفه فعليه التوبة، و - عند جماعةٍ مِن أهل العلم – الكفارة لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فِى الَّذِى يَأْتِى امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ قَالَ: «دِينَارٌ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ» وَرُبَّمَا لَمْ يَرْفَعْهُ شُعْبَةُ. [سنن أبي داود1/108] والحديث رواه أهل السنن وأحمد وحسّنه، وفي سنده ومتنه اضطراب، وصححه ابن القطّان وابن دقيق العيد وابن حجر [تلخيص الحبير 1/428-430]، والدِّينار: العُملة من الذَّهب، وزِنةُ الديِّنار الإِسلاميِّ مثقالٌ من الذهب، والمثقالُ: غرامان وربع. [الشرح الممتع على زاد المستقنع1/478]
وللرجل أن يستمتع بالحائض فيما دون الفرج كما في حديث عَائِشَةَ ، قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يَمْلِكُ إِرْبَهُ. متفق عليه [صحيح البخاري1/83، صحيح مسلم 1/166].
أما المستحاضة فيجوز الاستمتاع بها في الفرج لأن حدثها دائم كما سيأتي.
8) ويمنع الحيضُ الطلاقَ، فلا يجوز للرجل أن يُطلِّقَ زوجته وهي حائض لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق : 1] أي مستقبلاتٍ العِدَّة، والأصلُ في عِدة المرأة أنها ثلاثُ حِيَض لقوله تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة : 228] أي ثلاث حِيَض، فالطلاق الذي على السُّنَّة أن يُطلِّقها وهي حامل أو يُطلِّقها في طُهرٍ لم يجامعها فيه ، فتبدأ حساب العِدَّة من أول حَيضَةٍ بعد الطلاق لحديث ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ». متفق عليه [صحيح البخاري 7/52، صحيح مسلم4/179] فمَن طلَّق زوجته وهي حائض أو بعد أن طهرت لكنه جامعها في هذا الطُّهر ثم طلقها فطلاقه طلاقٌ بدعي.
- إذا طلَّق زوجته طلاقاً بدعياً فتلزمه مراجعتها لحديث ابن عمر، لكن هل يُعتَد بهذه الطلقة البدعية؟ قولان لأهل العلم:
الأول: أنَّ الطلاق البدعي يُعتَدُّ به وتلزمه المراجعة(بعضهم أوجب المراجعة، وبعضهم استحبها).
القول الآخر: أنَّ الطلاق البدعي لايُعتَدُّ به لأنّه فاسد، وهذا القول رجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: وقول الطائفة الثانية أشبه بالأصول والنصوص، إذ الأصل الذى عليه السلف والفقهاء أن العبادات والعقود المحرمة إذا فعلت على الوجه المحرم لم تكن لازمة صحيحة. [كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه33/24]
9) ويمنع الحيضُ الزوجةَ الصغيرة أن تعتدَّ بالأشهر، فإذا كانت الزوجةُ صغيرةً لم يأتها الحيض وطلَّقها زوجها فإنها تَعْتَدُّ بالأشهر لقوله تعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) [الطلاق : 4] فإذا أتاها الحيضُ قبل الطلاق فتنتقل من حكم الصغيرة إلى حكم المرأة الكبيرة فتكون عدتها ثلاثة حِيَض كما تقدم.



وللحديث صلة..
...تابع القراءة